استقبل آخر الأخبار دقيقيه بدقيقة عن أهم القضايا الساخنة مع NewsHub. حمّل الآن.

صبرا وشاتيلا مجزرة محفورة بالذاكرة الفلسطينية

16 أيلول, 2017 07:05 ص
2 0

صبرا وشاتيلا مجزرة محفورة بالذاكرة الفلسطينية

رام الله- "القدس" دوت كوم- نردين أبو نبعة- كتب محمود درويش في قصيدة مديح الظل العالي "صبرا.. تقاطع شارعين على جـسد، صبرا.. نزول الروح في حجر، وصبرا لا أحد، صبرا هوية عصرنا حتى الأبد".

ووصف سميح شقير المجزرة بقوله "بيروت المجزرة الكبرى، ودم الأطفال نبيذ في الأرض السكرى، دخل النازيون شاتيلا وصبرا، صلبوا الأحياء على جدران الموت، وكان رصاص يحصد آلاف الأرواح، ويحرمهم قبرا".

استمرت المذبحة التي نفذتها المجموعات الانعزالية اللبنانية، المتمثلة بحزب الكتائب اللبناني، وجيش لبنان الجنوبي، بإشراف وتخيط الجيش الإسرائيلي، في 16 أيلول عام 1982 على مدار ثلاثة ايام، حيث دخل القتلة المخيم وتركوا ذكرى سوداء مأساوية وألماً لن تمحوه الأيام والسنين من نفوس الذين نجوا من أبناء المخيمين، علما ان عدد شهداء المجزرة بلغ ما بين 3500 و5000 شهيد من الرجال والأطفال والنساء والشيوخ المدنيين العزل من السلاح.

وقال فادي الغول وهو أحد الناجين من مجزرة صبرا وشاتيلا "حكايات المجزرة لم تفارقني منذ حدثت. كنت في العاشرة من عمري، ولا أزال أتذكرها رغم مرور 35 عاماً عليها. أتذكر تفاصيلها. كانت حرباً بشعة. كل الحروب بشعة، ولكن مجزرة صبرا وشاتيلا هي الأبشع. أنظر إليها بعيون طفل، فما عشته في الحرب لا يمكن أن أنساه مهما حدث".

ويروي الغول لـ "القدس" دوت كوم، انه "عندما بدأ القصف عند ساعات الفجر، بدأ الناس يركضون باتجاه السفارة الكويتية، أو باتجاه الملاجئ، فيما توجه اخرون الى مستشفى عكا. كل شخص كان معرضا للموت، ولا أحد يجرؤ على الخروج من هذه الأماكن، فالقناصة يطلقون النار على كل شيء يتحرك، والقصف والقتل بأشكاله في كل مكان".

ويتابع " الأمر الذي لا يمكن أن أنساه هو النجاة من المذبحة بأعجوبة. كنا جالسين فنادت جدتي علينا وقالت هيا نهرب من الباب الخلفي، وأثناء ركضنا سمعنا قوات الكتائب تنادي علينا /تعو لا تخافوا/ باللهجة اللبنانية، وبقربهم شاحنات ليضعونا بداخلها وينفذوا جريمتهم. وقتها ذهب بعض الناس واطمئنوا لهذا النداء الكاذب، لكن جدتي قالت: /أنا قلبي مش مطمئن.. ما بدي أرجع/، فهربنا في اللحظة الأخيرة، بعد أن فقدت والدتي وصديقي".

واضاف " المنظر الذي لا أنساه بعد انتهاء المجزرة، هو منظر الأرز الذي كان يتساقط فوق رؤوسنا وأصوات الزغاريد وكلمات الوداع من الأهالي".

واستطاعت ذاكرة الطفل الفلسطيني، ان تصور المجزرة من خلال مسرحية كلارنيت حيث يقول الغول "في المسرحية أنا مثلت جزءا بسيطا من ذكرياتي الشخصية المرتبطة بأحداث المجزرة، وكطفل عاش هذه الظروف حاولت أن أجسد هذه المعاناة على خشبة المسرح، ولكن هذا نقطة في بحر، مقارنة بالآلام التي عانى منها أهالي المخيم".

وتقول ميساء الخطيب التي كان عمرها 21 عاما حين حدثت المجزرة التي كانت شاهدة على بشاعتها "خلال أيامها الثلاثة الاولى لم يعلم بها أحد على الاطلاق، فقُتل اللبناني والفلسطيني والكردي والسوري المتواجدين في المخيم، وأخبارها انتشرت بعد ذلك من خلال بعض الأشخاص والمصابين الذين استطاعوا الهروب للمستشفيات المنتشرة حول المخيم".

واضافت الخطيب "عندما سمعنا بذلك ذهبت مع والدتي الى المخيم للاطمئنان على خالتي وجدتي، وعندما وصلنا وجدنا الجيش اللبناني يطوق المكان ويمنع الناس من الدخول، فبدأت والدتي تدفع بالجنود وتحاول اختراقهم للدخول، وقد نجحت في ذلك ودخل كل الناس المتواجدين واندفعوا يبحثون عن عائلاتهم".

وقالت "ما ان مشينا مسافة قصيرة جدا، حتى بدأنا نستنشق روائح كريهة جدا. هذه الرائحة أنا أعرفها جيدا من مجزرة تل الزعتر التي عشتها بكل تفاصيلها عندما كنت في الخامسة عشر من عمري، ورائحة الدم هذه منذ تل الزعتر لا نستطيع أن ننساها، ومن هذه الرائحة عرفنا أنه حدث هنا شيء فظيع، فبدأت امى بالركض وركضت انا خلفها، وعندما اقتربنا من منزل خالتي، وجدنا عائلة لبنانية من بيت المقداد كلها مقتولة ولم ينج منها أحد، ووجدنا جدتي الثمانينية مقتولة على كومة حجارة والبلطة في رقبتها، وبجانبها حصان مقتول. عندها ركضت والدتي الى منزل خالتي فلم نجد أحداً، ووجدنا الطبلية (طاولة مستديرة قصيرة يوضع عليها الطعام) وفوقها بقايا طعام وحقن مخدرات وبقايا بطيخ، ما يشير الى أنه كان هناك جنودا ارتكبوا مجزرة بدم بارد".

وتسرد الخطيب صورا شاهدتها أثناء بحثها عن عائلتها وتقول "خرجنا الى الشارع وبدأنا نشاهد الفظائع التي ارتكبت.. فظائع بكل معنى الكلمة، من هذه الصور التي رأيتها ولا يمكن أن أنساها، طفلة عمرها 7 سنوات تقريبا ترتدي تنورة كروهاتي باللون البني والبيج ودماغها متفجر، وبجانبها عجوز يرتدي القمباز وبجانبه عصاه، ورأسه متفجر، ورأيت كذلك امرأة متوسطة العمر ذات جسم ممتلئ، كانت يدها وقدمها مربوطة بالجنازير ومقتولة. كلما مشينا أكثر كلما رأينا صور قتل متعددة حيث شاهدت مجموعة من الشباب وقد أعدموا بشكل جماعي فوق بعضهم البعض، من بينهم ابن خالتي حسين".

واضافت "بدأ الجيش اللبناني مع الصليب الأحمر الدولي بالعمل من أجل إخفاء كل آثار هذه الجريمة وذلك بتجميع جثث الناس ووضعها في خندق طويل جدا، حفروه لوضع الجثث بداخله. كل الجثث كانت مغطاة ببطانية بلون زيتي أو لون رمادي غامق، ومصفوفين مثل صف العسكر، حينها بدأت أمي بالكشف عن الجثث فردا فردا بحثا عن بقية عائلتها، فتعرفت على بعضا منهم، ولم نتمكن من التعرف على الاخرين. لقد رأينا صور الذبح والحرق والبتر وبقر البطن"

وتروي الخطيب قصصا رواها بعض الناجين ومنها أنه "تم تجميع أعداد كبيرة من أهالي المخيم، ونقلوهم بالشاحنات الى جهات مجهولة، ولم يظهر لهم أي أثر على الاطلاق".

وتقول " لم ينج من عائلتي المكونة من 12 فردا، إلا شخصا واحدا هو أحمد الخطيب، فعندما بدأ اقتحام المخيم اصيبت جارتهم، فحملها الى مستشفى عكا، ولذلك نجا من المجزرة".

وتواصل الخطيب شهادتها وتقول "الناس المتواجدة رفضت قيام الصليب الدولي بدفن الجثث بهذه الطريقة، وقرروا عمل قبر جماعي في ساحة المخيم، ودفنوا أغلبية الشهداء فيه، وأقيم هناك نصب تذكاري لشهداء هذه المجزرة. التجربة ليست سهلة، وفي كل عام أقرر ان لا اتحدث عنها، ولكني أشعر بأنني الشاهدة الوحيدة المتواجدة في فلسطين تقريبا، فمن العيب ألا أُذّكر الناس بها، خاصة أنني ابنة مجزرة تل الزعتر قبل ذلك، وذكريات المجازر التي عشتها وشاهدتها، ألمها ما زال محفورا على العظم، ولا يمكن نسيان هذه البشاعة وهذه التفاصيل".

وكانت أم بكر حجازي، وهي من سكان برج البراجنة، تعمل مديرة الفرع الفلكلوري الفلسطيني في لبنان، وكانت واحدة من الأشخاص الذين زاروا المخيم بعد انتهاء المجزرة مباشرة.

وروت ام حجازي لـ "القدس" دوت كوم ما كانت شاهدته وقالت " كنت من نشطاء الثورة الفلسطينية في لبنان، ذهبت مع مجموعة من الأصدقاء للمخيم، بعد أن سُمح لنا بذلك. دخلنا من منطقة اسمها جلول، فوجدنا الجيش اللبناني متواجد على أطراف المخيم، وقالوا لنا بانه يمنع الدخول لوجود ألغام في المنطقة، فغيرنا الطريق ودخلنا المخيم من منطقة مستشفى عكا. وحين وصلنا وجدنا الجرافات وقد بدأت بحفر حفرة كبيرة جدا، وبدأوا برش الجثث ببودرة بيضاء، لمنع انتشار الأوبئة، ورأينا جثثا توضع داخل أكياس سوداء، وأخرى مرفوعة على حمالات، وأشخاص حملتهم الجرافة، وكلهم وضعوا فوق بعضهم البعض في هذه الحفرة".

وتواصل حجازي "أثناء تواجدنا هناك، جاء خبر أن الجيش الإسرائيلي يريد الدخول الى المخيم، فهرب جزء من الناس المتواجدين الى قصر رياض الصلح والسفارة الكويتية، وآخرين نقلتهم السيارات المتواجدة في المكان،( كنت أنا من بينهم) إلى هنري شهاب، وقد كنا مجموعة كبيرة من اللبنانيين والفلسطينيين، والسائق الذي نقلنا قال إنه سمع أشخاصا يرددون/بالروح بالدم نفديك يا بشير/".

وتقول أم بكر " فقدت في هذه المجزرة عائلتي وهبي كاملة بنسائها ورجالها وأطفالها، ومن هول ما رأيناها لم نعد نتذكر الكثير، لقد هدم بيتنا، وكنا نتعرض للضرب من قبل الكتائب، وما حدث لا يستوعبه العقل وحتى لا يستطيع أن يحفظه ويتناساه من شدته".

مصدر: alquds.com

حصة في الشبكات الاجتماعية:

تعليقات - 0